في جنوب محافظة كركوك، هناك “وادي الشاي” المكان ذو التضاريس المعقّدة، الذي يستوعب الضربات الجوية والإرهابيين معاً، ويحتضن أنفاقاً تُدمّر العديد منها بشكل متكرر.
“وادي الذئاب البشرية”
يشكّل الوادي خطراً على حياة العراقيين، كونه يضم إرهابيين تلقوا تدريبات خاصة، وآخرين متطرّفين، مستقتلين على تنفيذ العمليات الإرهابية بطريقة “الكرّ والفر”، ويصوّره خبراء بالأمن بأنه “وادٍ للذئاب البشرية، تشن عملياتها الإرهابية وتختفي”.
يضم الوادي، مناطق تتميز بغطائها النباتي، الذي يمثّل مكاناً “آمناً” للإرهابيين المتبقين من عصابات داعش، ومن خلالها يهجعون إلى أنفاقهم التي لم تنتهِ بعد، على الرغم من العمليات التي استهدفتها.
“تطهير قبل خمس سنوات”
في مثل هذه الأيام (26 نيسان 2019)، أعلن جهاز مكافحة الإرهاب انتهاء عملية تطهير وادي الشاي، وقتل 16 إرهابياً من داعش، وتدمير 21 مقرا ، و14 نفقا، فضلا عن العثور على مستودعين للأسلحة والمتفجرات.
هذه الأنفاق والمقرات المدمرة لم تكن الأخيرة، لأن الإرهابيين ما زالوا ينتشرون بين التلال والأشجار والقصبات الكثيفة، وبسبب اتساع الوادي، فإن القوات الأمنية تشن عمليات من الجو، مستهدفة أوكار الإرهابيين “النائمين” بأحضان الوداي.
ويقع الوادي ضمن مجموعة وديان مثل وادي زغيتون ووادي أبو خناجر، وجميعها في محافظة كركوك، وتشهد عمليات أمنية متتالية في أيام مختلفة، لكنها لم تقتلع جذور الإرهابيين، ويبقى خطرهم قائماً.
وادٍ يحتضن “إرهابيين محترفين”
ويحتضن الوادي بأنفاقه “إرهابيين تدربوا على القتال بالعمليات الخاصة، ومتطرفين فكرياً، وبقايا الأجهزة الأمنية المنحلة في النظام السابق، بينهم فدائيو صدام”، حسب ما يفيد الخبير في الشأن الأمني، عدنان الكناني.
ويشير الكناني في حديثه لـ “إيشان”، إلى أن “قوة فرنسية، بصحبة قوات من عمليات كركوك، نفذوا عملية في وادي الشاي، وبسببها جُرِحَ جنود فرنسيون وعراقيون”.
“صعوبة استقرار المنطقة”
ويعتقد الكناني أيضاً، أن “عودة المنطقة إلى التعايش، أمر من الصعب جداً تحققه، لأنها تشهد خروقات أمنية متعددة”، فيما يشير إلى أن “بعض القادة الأمنيين غير مؤهلين لمناصبهم، وإدارتهم للملفات الأمنية ركيكة”.
وتعد المنطقة، حسّاسة أمنياً من ناحية كثرة الثغرات التي بين فترة وأخرى، تنتج عنها تعرضات إرهابية على القطعات الأمنية، بسبب وعورة المنطقة.
معلومات وردت لـ “إيشان”
وتؤكد مصادر أمنية، قريبة من وادي الشاي، تحدثت عبر “إيشان”، ورفضت أن تعلن أسماءها الصريحة لحساسية الموضوع، وكشفت عن أن “المنطقة، وعرة وليس بها سيارات فقط، إنما دراجات نارية، وحتى طيران الجيش لا يستطيع دخولها، والحديث عن دك أوكار الإرهابيين عار عن الصحة لأنها لا تشكّل نسبة كبيرة”.
٦٠٠ إلى ٧٠٠ قرية
وتقول المصادر لـ “إيشان”، إن “مساحة وادي الشاي كبيرة جداً، وتبدا من داقوق باتجاه طوزخورماتو وصولا إلى تكريت، وفيها حوالي ٦٠٠ إلى ٧٠٠ قرية، وكل أهلها مهجرين ولا يستطيعون أن يعودوا إلى مساكنهم الأصلية”.
وتذكّر المصادر بأن “عملية أمنية موسعة نُفِذّت قبل ٣ سنوات، من الخامسة صباحاً لحد المساء لم تستطع القوات الأمنية أن تطهر سوى ٢ بالمئة من مساحة الوادي”.
لم يدخل أحد إلى المنطقة
ولم يستطع أحد أن يدخل بالعمق، لأن وادي الشاي خطر، حسب ما تروي المصادر الأمنية التي تقول إن “أي أحد لم يجرؤ على الدخول إليه”.
وحسب المعلومات التي وردت لـ “إيشان”، فإن “الوادي فيه مجرى مياه، وهي منطقة مفيدة للدواعش بسبب احتوائها على أشجار وتلال ووديان وكهوف”.
وتروي المصادر نقلاً عن قيادات أمنية معروفة في جهاز مكافحة الإرهاب، بأن “العام ٢٠١٩، خرجت معلومة بغرف العمليات، بأن آلاف الإرهابيين متواجدين في وادي الشاي، الذي يمثّل مثلث البرمودة بالنسبة للإرهابيين”.
وينضم وادي الشاي إلى قائمة المناطق في العراق الممنوع دخولها، من قبل الأشخاص الأمنيين أو المواطنين الاعتياديين.
سببان يمنعان العملية البرية
وتساءلت “إيشان”، عن سبب عدم تنفيذ عملية أمنية بريّة في الوادي، إلا أن خبراء أمنيين حددوا سببين يمنعان الإقدام على هذا الأمر.
ويقول كاظم الجحيشي، وهو خبير أمني في حديث لـ “إيشان”، إن “الوادي يقع في منطقة وعرة جدا، يصعب فيها تحرك العجلات، ما يؤدي لانتشار كثيف لهؤلاء الإرهابيين ويتجولون بأريحية”.
ويضيف الجحيشي، قبل أن يشرح طريقة الوقاية من العمليات الإرهابية: “لا يمكن زج الشباب في هذه المنطقة، ونعطي خسائر، والآن نستخدم أسلوب الدفاعي ولكن بين فترة وأخرى نشهد تعرضات”.
حلٌ يحتاج لتنفيذ
وأوضح، أن “الحدود العراقية بغض النظر عن كون الوديان والجبال، تحتاج إلى زراعة كاميرات نهارية ليلية يمكن من خلالها كشف تحركات الإرهابيين، وإذا تعذر هذا الشيء يجب نصب مناطيد ذات كاميرات حساسة لمتابعة حركاتهم”.
ويكمل قائلاً: “غير معقول دولة مثل العراق، أن لا تعمل مثل هذا الشيء، لكن الرفض الأمريكي أحياناً لا يدعنا العمل بهذه الكيفية من خلال نصب المناطيد والرادارات”.
وأشار إلى أن “الإرهابيين ينفذون عمليات كر وفر في هذا الوادي، وهم غير ثابتين ويتنقلون بين أماكن متعددة، ولو كان لدينا كاميرات، لمثّلت سبل العلاج في هذا الموضوع”.
ويبقى العراقيون ينتظرون عملية أمنية واسعة تقتلع الإرهابيين، أو تدفنهم بأنفاقهم التي يختبئون بها داخل وادي الشاي، لتنتهي قصة “رعبه” وتُقطّع خلايا الإرهاب النائمة.
