اخر الاخبار

إيران تعلن الانتقال من العقيدة الدفاعية إلى الهجومية: لا نخاف من ضجيج العجل السامري

أعلنت إيران انتقال قواتها المسلحة من العقيدة الدفاعية إلى...

وفد الإطار التنسيقي يصل إلى أربيل لبحث ملف مرشح رئاسة الجمهورية

وصل رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، الى إقليم...

القضاء يبدأ إجراءات التحقيق مع 1387 عنصراً من داعش قادمين من سوريا

أعلنت محكمة تحقيق الكرخ الأولى، اليوم الاثنين، أنها باشرت...

ترامب غاضب من تصريح في حفل الغرامي: لم أذهب قط إلى جزيرة إبستين

صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لم يزر مطلقا...

ذات صلة

استعادة.. علي وجيه يكتب عن: وديع الصافي والشايب والزمن القبيح

شارك على مواقع التواصل

كتب الإعلامي علي وجيه: عن وديع الصافي والشّايب والزمن القبيح..

عام ٢٠١٤، اكتشفتُ وديع الصافي، أعني اكتشافاً أعمق من كون هذا المطرب معروفاً يغنّي “الليلُ يا ليلى”، أو “على رمش عيونها”، دلّني صديقٌ حبيبٌ على تحفةٍ له “ناطرك سهران بضوّ القمر”، وكان عام وديع..
لكنه كان عاماً لأشياء أخرى أيضاً: لحى كثيفةٌ، سراويلُ قصيرةٌ، سيوفٌ طويلة، وتكبيراتٌ من وجوه وسحنات مختلفة، تقطرُ أعضاؤهم التناسليّة مَنْياً وصراخَ ضحايا من كلّ المكوّنات، اغتصبوها في مدنٍ مختلفة.
“لا القلب قادر يحتمل همّ النوى
ولا العين فيها بعد تتحمّل سهر”..
كنتُ أباً لثلاثة أطفال، في الخدّج، فيما وصلت اللحى لـ”أبو غريب”، وأبو غريب تعني “المنصور”، وتعني لُبَّ بغداد، في وقتها كنتُ أضعُ الأطفال بين كتبي، الأنيقة النادرة، ولوحاتي التي أحبّها..
كان هناك مَن يهمسُ بأذني “كل هذه الكتب، لن تكونَ متراساً لآر بي جي واحدة، وأن رصاصة واحدة بإمكانها أن تخترق دواوين الجواهري والمتنبي وأبي نؤاس وخزعل الماجدي وغيرهم، لتستقرّ الرصاصة برأسك الذي يُدندن مع وديع الصافي”.
الجلوس وراء الكومبيوتر مريح، كما أجلسُ الآن، وصدقاً لا أعرفُ، ولستُ مستعداً، لإطلاق رصاصة واحدة، وضدّ مَن؟ انتحا..ريّ يأتي مُهلهلاً باتجاهي أنا وأطفالي؟ ليدخلَ الجنّة بهذه الطريقة؟ أم “انغماسيّ” يُجيد القنص، ثمّ الاشتباك، ثمّ تفجير نفسه؟
كنتُ قد أطلتُ سوالفي مثل ألفِيس برِسلي، وأعملُ في الإعلام مسترخياً، مستمتعاً بكتابة الشعر، لكن فيما بعد، صديقي وصديق أخي علي رشم، مضى إلى لا أعرف أين، تركَ “كَذلته” الأنيقة، و”اللفتات الغزاليّة”، لينفجرَ عليه بيت مفخخ، في مكانٍ ما!
كنتُ ما أزالُ وراء الكومبيوتر، وأتصاغر أمام تلك الوجوه، الوجوه التي قاتلت مُنهكةً ومُتعَبة، وجوه هي وجوه أهلي، وأقاربي، فلان البهادلي، فلان الحميداوي، فلان الساعدي، فلان الفريجي، إلخ..
“يا قمر، روح خبّر طيور الفلا
أقضّي حياتي دمع، وهموم وصلا”
لم يكن حينها شيخُ النجف كبير السن، السيستاني، قد أطلق نداءه، ليركب المُتعَبون في السيّارات، دون أموال ولا تدريب، ليكونوا الجسر المؤدّي للكرامة، ليوقفوا ذلك عند حدّه، كان حينها مَن أوقف الزحف ما يُسمّى بـ”الفصائل”، التي يستقذر ذكرها كثيرون ممّن يجلسون أمام الكومبيوتر، مثلي، فهم مجرمون، وقتلة، إن كانوا يقلّدون خامنئي، أو كانوا صدريين مثل مصدّ اسمه “سرايا السلام” في سامراء، أو حتى سنّة من “الح..شد العشائري”.
اللحى تكثر، وثمّة ٢١٠٠ مراهق، بعمر أخوتي، رُموا بالنهر، صابغين ماءه الأزرق بالأحمر القاني، أو الجثث التي تمّ ترتيبها بطريقة الدومينو، بمجزرة البونمر، أو الخسفة، “سبايكر” السنّية، في نينوى.
اللحى تكثر، وليس سوى هؤلاء الذين لا أشبههم، هؤلاء الذين لا يسمعون وديع الصافي، لكن تهزّهم الأناشيد، يهزّهم نشيدٌ لا أحبه اسمه “نحن لا نُهزم”، لكنهم يسمعونه ولا يُهزمون فعلاً، “ومنّا عطاء الدم”، وبالفعل: امتلأت شوارع البلديات والحبيبية والأمين بالفلكسات، بصور “الشهيد السعيد”، بـ”المأسوف على شباب”، وامتلأت أرض النجف..
“وسمعت النجمات
من هالقلب آهات”..
وحاصروا آمرلي، تلك اللحى، كما حاصروا حديثة، ووقف رجال المدينتين وقفة عزّ، جاعوا وما فتحوا واستسلموا، حتى انبرى لذلك رجل كنتُ لا أحبه، إي والله، لم يكن يشبه أدونيس ولا كيليطو، لم يكن يشبه أيّاً من أساتذتي، ومَن أقرأ لهم، ثمّ عرفتُ أنهم يسمّونه “الشايب”، وكان يفتحُ مع صديقه الذي كنتُ لا أحبه أيضاً الحصار بعد الآخر، ويظهرون في الصور وهم يفترشون الأرض، ويأكلون خبز العبّاس والخضروات، مثل جدّتي، ومبتسمين على الدوام..
كنتُ وراء الكومبيوتر حينها، أغطّي ما تيسّر من معارك، وكان في جانبٍ ما، من قلبي العلمانيّ، جانبٍ مُختبئ، اطمئنان حين أعرف أن الح..شد الشعبي سيكون مشتركاً في عمليات المحافظة الفلانية، فاللحى القذرة، العقائديّة، لا يحلقها إلاّ موسٌ عقائديّ، نُقش عليه سيفُ ذي الفِقار، الذي كان يحمله عليّ بن أبي طالب.
في مكانٍ يشبه ما كنتُ أجلس فيه، لم يقم كهلٌ يُجيد الحديث بالشعر والتنظير السياسيّ بقيادة شبّان يُشبهونني، تخلّفنا عن القتال، لسنا مقاتلين؟ نعم لسنا مقاتلين، لكنّ علي رشم أيضاً لم يكن مقاتلاً، ورشاد الركابي، صديقي خرّيج قسم التاريخ في جامعة بغداد لم يكن أيضاً مقاتلاً، كان عامل مولّدة، فلماذا لم نخرج؟
لم نخرج، نحن مَن يجيد الحديث، والبحث عن القائد المعصوم، الذي نقبل بكلّ ما فيه، وإن اختلفنا بجزئيّة فعلينا لعنه، لكن الأرض لا تحرّرها المنشورات التي لا قيمة لها، ولا الأمل، ولا أن ننتظر بناء الدولة..
بيتك محترقٌ، وتخيّل أن هناك مَن يقول لك: عليك بانتظار الإطفاء، وليس مسموحاً لك استخدام مياه شرب بالإطفاء..
كان يجب، على ما يبدو، أن تصل اللحى حتى (مول المنصور)، ليكون الشايب اليوم مُحتفى فيه من قبل الذين لا يعرفون شعور الخوف حينها، أو أن يكون لديك قائدٌ لا تخافُ على قضيةٍ منه، القائد الذي عجزنا نحن العلمانيين على الإتيان بنموذجٍ متفانٍ يشبهه..
لم أكن أحبّك حينها، لكن الحبّ تحتاجه النساء، لا تحتاجه أنت.
“لا الورد بعد عَم يعطي عطر
ولا شجرة التفّاح عم تحمل زهر”..
لكن الأرض تحرّرت، وبقيتَ مبتسماً، مع صاحبك الذي لا أحبه أيضاً، فهو يعملُ لبلاده وإن التقت المصالح مع بلادنا في تلك الحرب، وبقيتُ أشاهدكَ ببعض غيظٍ في فيدواهتك التي تشرح القلب، وأنت تتحدّث مع شبّان يشبهون علي رشم، وهم ينظرون لك أباً، حتى مَن فقد ساقاً كان يستقبلك على سَدْيته بابتسامة، وفرح..
كبرَ الأطفال، واكتشفتُ وديع الصافي كما أردتُ، ثمّ هبط الصاروخُ على سيّارتك في المطار، ولم يجدوا منك شيئاً، مثل كثيرين آخرين بتفجيرات شبيهة بهذه.
الجسدُ يفنى، والروح تعرج، لكن ما يتبقّى ذلك الخبر الذي وصلنا ليلاً “كسر حصار آمرلي من قبل الحـ..ش د الشعبي”، ثم ظهور صورتك حاملاً مسدسّاً وهازجاً.
الجسدُ يفنى، لكن ما يبقى هو إصرارك على عدم زجّ الحـ….د الشعبي بمواجهة مع تشرين الظافرة، أو الإيعاز والتوجيه الحاد بعدم استهداف أيّ متظاهر وإن هاجم مقرّات الهيأة.
الجسدُ يفنى، لكن الأبواب الحديديّة التي أوعزتَ لهندسية الهيأة بأن تضعها في طوابق المطعم التركي كي لا يستهدف أحد المحتجّين، بقيت للآن هناك، وبقي عدد من المتظاهرين يتذكّر اللقاء بك.
ليس هناك ضرورة أن أصنع مقاربة بينك وبين الحسين، أو خاتمك ويد العبّاس، لكنني كلّما تجوّلتُ في طريقي إلى السليمانية، بجبال حمرين، كنتُ أعرف أن هناك مَن صنع فولاذاً من قلبه، وحرّر معظم تلك المجاهل، كان تحت رايتك..
كلّما سمعتُ وديع الصافي، كنتُ أسمعه لأن علي رشم استشهد تحت رايتك، لأنني ظلّ على أطفالي الذين وصلوا الابتدائيّة الآن، لأن كثيرين تحت رايتك تركوا أطفالهم بلا ظلّ، ومضوا بشواهد قبر حزينة، قرب عليّ.
صدّق أو لا تصدّق، أيها الشايب العجيب، الحقيقيّ حدّ التراب، أنني لا أستطيعُ نكران ذلك، وكلّما رميتُ عليك معارضتي، ارتدّت إليّ، ووجدتُني مُطمئِنا إلى ملامحك.
عارضتُكَ حيّاً، وحزنتُ عليكَ شهيداً، وأُنصفُكَ بكلّ ما فيك، حين يخاف الآخرون الكتابة عن ذلك، فمكوّن “التفّاكَـ” يجب أن يكون مجرّد “مكوّن العتّاكَـ”، ويجب أن يُشتم، ويُلعن، وأن تغطّى كل الأنساق الطائفيّة بحجّة المعارضة السياسية التي تغمض العيون عن غيرك..
يريدون أن يصنعوا منك شيطاناً، أو ملاكاً، غير أنك كنتَ بشراً مثلنا، لكنك بشرٌ حقيقيّ، آمنتَ بما فعلتَ حتى جاءكَ اليقين.
شكراً لك أيها الشايب العجيب، زمنُنا هذا زمنٌ قبيح، زمنُ إمّعات لا يجيدون حتى الرجوع لإرشيف الأخبار، زمن ببغاوات لا تجرؤ على النطق بما تفكّر، لكنني أراكَ كما أنتَ، بما فعلتَ، بما أوقفتَ من سفك دم، بما هدّأتَ من وضع..
ما رأيتُ منك إلاّ خيرا، ويومَ أنهى حياتك، وحياة صديقك، أشهرُ خنزير في العالم، كان يوماً أسود، وذكراه سوداء، واستذكاره أشدّ سواداً.
إلى رحمة الله ورضوانه، وإلى مجد التأريخ والفضل برقبتي، ورقبة كثيرين ربّما يشتمونك الآن، لكنه فضل لا يُمحى، فضلك أنت ومَن سقطَ تحت رايتك.
“حنّ القمر، بين الغيوم الشاردة
مع دمع عيني كرجت دموع القمر”..