اخر الاخبار

إيران تعلن الانتقال من العقيدة الدفاعية إلى الهجومية: لا نخاف من ضجيج العجل السامري

أعلنت إيران انتقال قواتها المسلحة من العقيدة الدفاعية إلى...

وفد الإطار التنسيقي يصل إلى أربيل لبحث ملف مرشح رئاسة الجمهورية

وصل رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، الى إقليم...

القضاء يبدأ إجراءات التحقيق مع 1387 عنصراً من داعش قادمين من سوريا

أعلنت محكمة تحقيق الكرخ الأولى، اليوم الاثنين، أنها باشرت...

ترامب غاضب من تصريح في حفل الغرامي: لم أذهب قط إلى جزيرة إبستين

صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لم يزر مطلقا...

ذات صلة

توازن القوى كخيار استراتيجي للعراق في زمن الصراع الصيني – الأميركي

شارك على مواقع التواصل

 

د. عامر عبد رسن الموسوي
نائب رئيس هيأة مراقبة تخصيص الواردات الأتحادية

في مشهد مدروس بعناية، استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ وزوجته القادة الأجانب، وتبادلا معهم المصافحة والتحية، في الذكرى ٨٠ للنصر ، فيما التقطت الصور التذكارية التي سرعان ما تناقلتها وسائل الإعلام العالمية.
لكن وراء المراسم البروتوكولية، حملت اللحظة دلالات أبعد من المجاملات الدبلوماسية؛ إذ بدت الصين كأنها ترسم صورة جديدة لقوة صاعدة، واثقة من موقعها في قلب ميزان القوى القادم.

الاحتفالات التي اجتاحت المدن الصينية، من استعراضات عسكرية ضخمة كشفت عن حداثة الترسانة الصينية ودقة تنظيمها، من مهرجانات ثقافية واسعة تؤكد عمق الحضارة الصينية وثراء قوتها الناعمة، لم تكن موجّهة فقط إلى الداخل لرفع الروح الوطنية، بل كانت رسالة مقصودة للغرب، وفي مقدّمته الولايات المتحدة. فالعروض العسكرية تقول بوضوح: “نحن قوة صلبة مكتملة، قادرة على حماية مصالحنا في بحر الصين الجنوبي، وفي آسيا، بل وما وراءها”. أما المهرجانات الثقافية فهي تعلن: “الصين ليست مجرد منافس اقتصادي، بل مركز حضاري بديل، يمكنه أن يجمع بين التقدم التكنولوجي والهوية الثقافية”.
على مستوى ميزان القوى، يمكن قراءة هذه المظاهر باعتبارها جزءًا من استراتيجية “الصعود المعلن” التي اختارتها بكين في السنوات الأخيرة.
لم يعد الأمر مقتصرًا على تحديات اقتصادية أو تنافس تجاري، بل أصبح صراعًا متعدد الأبعاد يشمل الأمن البحري، التكنولوجيا، النفوذ الدبلوماسي، بل وحتى إعادة تشكيل منظومة التحالفات الدولية.
فكل صورة مع زعيم أجنبي وكل تحية رسمية تعكس قدرة الصين على بناء جبهة واسعة من الشركاء والأنصار في مواجهة سياسة الاحتواء الأميركية.
أما في صراعات المنطقة، من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط، فإن بكين تبعث برسائل مركبة: فهي في آسيا تتحدى قواعد اللعبة التي وضعتها واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية، وفي الشرق الأوسط تعرض نفسها كوسيط وشريك اقتصادي واستراتيجي بديل للغرب.
وهكذا يصبح الاحتفال في بكين ليس مناسبة وطنية فحسب، بل عرض قوة شامل، يذكّر العالم بأن معادلة القرن الحادي والعشرين لن تُرسم في واشنطن وحدها، بل سيكون لبكين دور مركزي وحاسم.

هذا كله ليس ديكوراً سياسياً؛ إنه “عرض قوة” مركّب يجمع القوى الصلبة (التسليح والتنظيم) والقوى الناعمة (الثقافة والهوية) ويوجَّه برسالة مفادها: الصين قوة مكتملة الأركان، وفاعلة في إعادة تشكيل قواعد النظام الدولي.

‎:دلالات المشهد على ميزان القوى

1. انتقال من التنافس الاقتصادي إلى التزاحم الشامل: أمن بحري، سلاسل توريد، تكنولوجيا حساسة (اتصالات، أشباه موصلات، ذكاء اصطناعي)، ونفوذ دبلوماسي.
2. توسيع شبكات الشراكة: بكين تُراكم شراكات “متعددة السرعات” مع دول آسيا، وإفريقيا، والشرق الأوسط عبر التمويل والبنى التحتية، بينما تحاول واشنطن إعادة بناء تحالفات واستراتيجيات احتواء مرنة.
3. رسالة ردع ورواية حضارية: الاستعراضات تقول “لدينا القدرة”، والمهرجانات تقول “لدينا سردية حضارية بديلة”. الجمع بينهما يهدف إلى تقليص قدرة الغرب على عزل الصين أو شيطنتها.

الشرق الأوسط كساحة تزاحم
المنطقة تتحول إلى ممر حيوي لصراع النفوذ: تمويل البنية التحتية والموانئ والمناطق الصناعية، عقود الطاقة والتحول الأخضر، عقود التكنولوجيا والاتصالات، وأدوار الوساطة السياسية.
دول الخليج ومصر وإيران وتركيا تعيد ضبط بوصلتها على قاعدة “تنويع الشركاء” بدل الارتهان لطرف واحد.

‎ماذا يعني ذلك للعراق؟
الفرص ؛
* تمويل بنى تحتية ومناطق لوجستية وصناعية (شرق–غرب، موانئ، سكك، طاقة وغاز مصاحب).
* نقل تكنولوجيا وانتقال تدريجي نحو التصنيع الخفيف والمتوسط، والذكاء الاصطناعي الحكومي.
* توسيع أسواق الصادرات (بتروكيماويات، أسمدة، منتجات غذائية) وتحرير نسبي من أحادية السوق/العملة.

المخاطر ؛
* مخاطر العقوبات الثانوية إن التُقطت إشارات انحياز حاد لطرف يخالف التزامات العراق الدولية.
* الارتهان التكنولوجي لمورّد واحد في الاتصالات أو الدفاع أو المنصات السحابية.
* ديناميات أمنية: أي اصطفاف سياسي قد يُفسَّر كإشارة أمنية ويستجلب استقطاباً داخل المشهد العراقي.
* هشاشة مالية: الاعتماد على تمويلات خارجية كبيرة بلا حوكمة صارمة قد يعيد إنتاج أزمات خدمة الدين/التأجيلات/الغرامات.

‎توصية مهمة: اعتماد سياسة “توازن القوى” لا “الانحياز”

النهج الأنسب للعراق في المرحلة المقبلة هو توازن القوى: توسيع العلاقات مع الطرفين—الصين والولايات المتحدة—بحيث تُدار الفجوات وتتوزع المخاطر ويُصان القرار الوطني.
هذا ليس حياداً سلبياً؛ بل تحوّط نشط يهدف لتعظيم المكاسب وتقليل كلفة الاصطفاف.

‎:مبادئ العمل
1. تنويع الشركاء والقطاعات: لا مورّد واحد للتكنولوجيا الحساسة ولا ممول أوحد للبنية التحتية الكبرى.
2. شفافية تعاقدية و”مدونات امتثال”: إدراج بنود امتثال صارمة (AML/CFT، مكافحة الرشى، حماية البيانات) تتيح العمل مع الشرق والغرب بلا تعارض قانوني.
3. فصل المسارات: السياسي–الأمني في مسار، والاقتصادي–التنموي في مسار آخر لتقليل العدوى بينهما.
4. تعظيم القيمة المحلية: أي تمويل أو عقد كبير يجب أن يرفق بنسبة مكوّن محلي ونقل معرفة واشتراط تدريب وتشغيل.
5. سيادة رقمية تدريجية: اشتراط توطين البيانات الحساسة، واعتماد معايير أمن سيبراني حكومية موحّدة بغض النظر عن المورد.

‎أدوات تنفيذ عملية (خطة من 12 نقطة)
1. مجلس وطني للتعامل مع تنافس القوى الكبرى برئاسة رئيس الوزراء، ينسّق بين الخارجية، المالية، التخطيط، النفط، الاتصالات، الأمن الوطني.
2. مصفوفة مخاطر العقوبات تُحدَّث ربعياً: ماذا يمكن فعله مع كل طرف دون تعريض المصارف والتجارة والميزانية للخطر.
3. سياستان للتوريد التكنولوجي:
* مسار غربي (معدات/سحابة/أمن سيبراني).
* مسار شرقي بديل.
مع بوابة تكامل محايدة ومعايير تبادلية تمنع “قفل المورد”.
4. نوافذ تمويل مزدوجة:
* تمويلات المؤسسات الغربية (البنك الدولي، IFC، EBRD، DFC).
* تمويلات آسيوية/صينية (AIIB، بنوك سياسة صينية).
مع اشتراطات حوكمة موحّدة داخلية.
5. عقود طاقة “سلة شركاء”: توزيع الحقول وخدمات الالتقاط الغازي وتجهيز المعدّات بين شركات أميركية وأوروبية وآسيوية وصينية لتقليل التركّز.
6. برنامج سيادة البيانات: مراكز بيانات حكومية داخلية، تشفير على مستوى الدولة، ومراجعات أمنية للمورّدين (غربيين وشرقيين) قبل النفاذ إلى القطاعات الحرجة.
7. آلية تسويات عملات مرنة: الدولار أساساً مع قنوات احتياطية محدودة ومُراقبة باليورو/اليوان في تجارة السلع غير الحساسة؛ لتقليل مخاطر الاضطراب دون استفزاز المنظومة المالية الغربية.
8. شراكات تعليم وبحث ثنائية: مختبرات جامعية مشتركة مع جامعات أميركية وصينية في الذكاء الاصطناعي والطاقة والمواد، لضمان تدفّق معرفة من الضفتين.
9. حوكمة البنية التحتية: عقود EPCF تُراجعها هيئة مستقلة للمخاطر، مع نشر ملخصات تعاقدية لرفع الثقة ومنع الشروط المجحفة.
10. سياسة “لا قواعد، لا اصطفاف”: تثبيت مبدإ عدم السماح بقواعد أجنبية دائمة أو أدوار عسكرية تتجاوز الاتفاقات القائمة—مع الحفاظ على التعاون الأمني ضد الإرهاب.
11. برنامج تعويضات صناعية (Offset): أي صفقة كبرى (طاقة/اتصالات/دفاع) تُرفق بمشاريع تصنيع وتجميع وتدريب داخل العراق بنسبة واضحة ومؤشرات قياس.
12. اختبارات ضغط سنوية: سيناريوهات انقطاع مورد تقني، تأخر شحنة، تقلب عملة، أو تجميد مصرفي؛ وخطط بديلة جاهزة.

‎الانعكاسات المباشرة على السياسة العراقية

* في الأمن والحدود: يُحافَظ على تنسيق مكافحة الإرهاب، مع منع تحويل العراق إلى ساحة رسائل بين القوى الكبرى.
* في الاقتصاد: يُدفع باتجاه مشاريع ذات مردود سريع (التقاط الغاز، كهرباء، موانئ) بتمويل مختلط لتقليل المخاطر السياسية.
* في التكنولوجيا: اعتماد “معايير سيادية” محايدة المصدر، تمنح الحكومة قوة تفاوضية مع أي شركة—شرقية كانت أم غربية.
* في الدبلوماسية: صياغة خطاب خارجي يعلن بوضوح: العراق شريك متعدد، لا تابع؛ ويرحّب بأية شراكة تحترم سيادته ومعاييره.

‎خلاصة تنفيذية صارمة

* الانحياز مكلف، والتوازن مربح: أي ميلٍ حاد سيعرّض العراق لعقوبات أو ارتهان تقني–مالي.
* حوكمة قبل التمويل: بدون امتثال وشفافية واشتراط نقل معرفة، تتحول الفرص إلى فخ ديون أو تبعية تقنية.
* تنويع حقيقي لا تجميلي: توزيع متعمد للعقود والتمويلات والمورّدين، مصحوب بواجهات تقنية قابلة للتشغيل البيني.

بهذا النهج، يتحول مشهد الاستقبالات في بكين والاستعراضات التي تقرأها واشنطن على أنها “إشارات قوة” إلى نافذة فرص للعراق: شراكات متعددة، سيادة رقمية متدرجة، وتمويلات ذكية—ضمن سياسة موزونة تحافظ على المصالح الوطنية وتُجنّب البلاد كلفة صراعٍ ليس طرفاً فيه.