في التاسع والعشرين من آب عام 2003، وبعد أربعة أشهر على سقوط نظام صدام حسين السابق، قتل المرجع محمد باقر الحكيم، بانفجار عنيف، استهدفه بشكل مباشر وأوقع العشرات بين قتيل وجريح، قرب أحد بوابات مرقد الإمام علي بمحافظة النجف الأشرف، لتنتهي بذلك، مسيرة الرجل الذي كان تعده طائفة واسعة من العراقيين مرجعاً دينياً وسياسياً، انتظروه كثيراً، ليقود العراق “الجديد” بعد نهاية الطاغية.
وفي الـ30 آب، عام 2003، أعلنت مصادر طبية عراقية رسمية، ارتفاع عدد قتلى تفجير مرقد الإمام علي، إلى 126 قتيلاً وأكثر من 200 جريح، لتؤكد الشرطة وقتها اعتقالها أربعة أشخاص قالت أنه “جزء من تنفيذ العملية التي استهدفت الحكيم وهم يعملون لصالح بتنظيم القاعدة”.
ونتيجة قوة الإنفجار وشدته، تناثر جسد محمد باقر الحكيم، ولم تستطع لجان الطب الشرعي من العثور على جثمانه.
وعلى إثر مقتله، اندلعت تظاهرات شعبية غاضبة في عدد من المحافظات، وأبرزها النجف، حيث خرج المئات للتنديد بالعملية الإجرامية، ليتم تشييع نعشه بحضور جماهيري كبير، غطى الساحات والشوارع حينها.
وسارع مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، حينها إلى إعلان الإضراب ثلاثة أيام في كل أنحاء العراق لإدانة الهجوم، فيما حمل قوات الاحتلال حينها “مسؤولية الفوضى الأمنية في العراق”.
وتزامنت العملية الإرهابية، مع قرار سياسي بتوزيع مجلس الحكم الانتقالي في العراق للحقائب الوزارية الجديدة، في منتصف شهر آب عام 2003، حيث حصلت القوى الشيعية على 13 وزارة من بينها النفط والتجارة والداخلية والتخطيط والصحة والتربية والعدل، وخصص للأكراد وزارات الخارجية والأشغال والصناعة والبيئة والري، أما السنة فسيتسلمون حقائب المالية والكهرباء والتعليم العالي والعمل وحقوق الإنسان.
وعن استشهاد الحكيم، يقول علي المؤمن الخبير في شؤون الحركة الاسلامية في العراق، إن “أهمية الزعيم الشيعي الراحل محمد باقر الحكيم؛ من الخصائص الشخصية والموضوعية التي ميزته؛ فبرغم وجود شخصيات إسلامية سياسية عراقية بارزة عاصرت حركته، إلا أن الحكيم كان خلال مرحلة ما بعد سقوط دولة البعث في العام 2003، يمتلك مميزات قائد المرحلة، كما كان ضماناً لتصاعد قوة الواقع الشيعي العراقي عموماً، والتيار الإسلامي فيه خصوصاً”.
ويضيف “وقد لا يكون الحكيم قائداً لمرحلة سابقة بالميزات نفسها؛ لأن عودته الى حاضنته الإجتماعية الدينية التقليدية (النجف الأشرف) أعادت له ما تبقى من عناصر القوة الإجتماعية الدينية التي كان من الطبيعي أن تفقد جزءاً من وهجها في المهجر”.
وأردف “لقد كان يمكن للأعوام التي أعقبت سقوط النظام الطائفي العنصري؛ أن تكون الأعوام العراقية التي يقودها الحكيم، والتي سيؤثر خلالها ليس في مصير الشيعة العراقيين وحسب، بل في مصير العراق برمته ونظامه السياسي ودستوره وحكومته المنتخبة، لكن اغتياله حال دون ذلك. فقد بدأ الحكيم إستراتيجيته الجديدة بوضوح في مؤتمر المعارضة العراقية في لندن العام 2002، واستمر بتنفيذها مع سقوط نظام صدام حسين وتشكيل مجلس الحكم العراقي وما تلاه من خطوات أثرت في اتجاهات الاحتلال الأمريكي وفي الواقع السياسي العراقي الجديد.
” في مؤتمر لندن، وبرغم ما قيل عن احتكار المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق لمعظم مقاعد الإسلاميين الشيعة؛ فان محمد باقر الحكيم فرض على المؤتمر وراعيه زلماي خليل زاد النسبة التي تنسجم مع نسبة الشيعة في العراق (65% من عدد السكان) ومع ثقل المعارضة الإسلامية الشيعية، وذلك من المقاعد في لجنة المتابعة والتنسيق وغيرها من اللجان وظلت هذه النسبة معتمدة في المؤتمرات اللاحقة (مؤتمر أربيل مثلاً في عام 2003) وفي مجمل العملية السياسية بعد سقوط نظام صدام، والتي تحولت إلى أمر واقع رضخ له المحتلون أيضاً”، يضيف المؤمن.
ويستطرد قائلاً: “وخلال عملية الغزو الأمريكي للعراق، كان صوت الحكيم هو الأكثر تأثيراً داخل العراق وخارجه، فقد أثّر موقف الحياد الايجابي الذي اتخذه حيال معركة الأمريكان مع دولة صدام حسين تأثيراً كبيراً في تجنيب الشيعة المحرقة، والتي دعمها الموقف المشترك للقوى الإسلامية الرئيسة، وتحديداً حزب الدعوة الإسلامية، استناداً الى موقف المرجعية الدينية النجفية”.
ويبين انه “وبعد سقوط نظام صدام، لم يكن الأمريكان يخفون هواجسهم من عودة الحكيم إلى العراق؛ بالنظر لموقفه الرافض للاحتلال ومشروعه. ولعله كان القيادي العراقي المعارض الوحيد الذي كان الاحتلال يترقب عودته بتوجس، ولكنه عاد كأمر واقع أذعن له الأمريكان خلال تفاوضهم الطويل مع مسؤولي المجلس الأعلى، وكانت عودته إلى العراق حدثاً سياسياً لافتاً، فقد استقبله العراقيون في الجنوب والوسط (المناطق التي مر بها في طريقه إلى النجف الأشرف) استقبال حافلاً، مواجهة الإرث العراقي والإحتلال”.
ويمضي قائلاً: “لقد عمل محمد باقر الحكيم خلال عامي 2002 و2003 على مواجهة مشروعين أساسيين في العراق، لا يزالان يقضان مضاجع العراقيين، والشيعة تحديداً: مشروع الحفاظ على الموروث السياسي والقانوني للدولة العراقية ونظامها السياسي ونخبتها الحاكمة، وهي دولة تتلخص في حكم النخبة التي تنتمي إلى الأقلية السنية العربية 16% من عدد سكان العراق”.
وايضاً “مشروع الاحتلال الأمريكي وتبعاته السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وهو مشروع يهدف إلى إعادة بناء العراق وإنسانه، وصولاً إلى المنطقة الإسلامية برمتها، وقد طرح آية الله الحكيم في المقابل مشروعين بديلين أولهما مشروع بناء الدولة العراقية ونظامها السياسي ودستورها؛ على أساس الاستقلال ورفض التبعية للخارج بكل أشكالها، ورفض الاستبداد والطغيان والدكتاتورية، واستثمار آليات الديمقراطية وتحقيق العدالة و رفض كل ألوان التمييز القومي والطائفي، وتطبيق مفهوم المواطنة العراقية المتساوية في الحقوق والواجبات، والاحتكام الى الشريعة الإسلامية وأحكامها في مجالات الحياة كافة، وأن العراق دولة عربية مسلمة، وما يترتب على ذلك من مبادئ وأصول”.
والثاني “مشروع مقاومة الاحتلال الأمريكي بكل الوسائل، إلا انه لم يرجح المقاومة المسلحة في تلك المرحلة، وكان يرى أن أولوية المرحلة تكمن في المقاومة السياسية والإعلامية والمدنية، سواء من داخل السلطة المتعاملة مع الاحتلال أو من خارجها، وكان مشروعه كما عبّر عنه في ممارساته السياسية وخطبه، ولاسيما خطب صلاة الجمعة في حرم الإمام علي مستوعباً الخطورة الشديدة التي يتضمنها المشروع الأمريكي في العراق، وعلى المستويات كافة”.
وتابع أن غياب محمد باقر الحكيم “وجّه ضربة قوية إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومشروعها، بالمقاييس السياسية والمعنوية، والى رؤيتها للوضع العراقي، والى العلاقات الإيرانية – العراقية، فقد الحكيم زعيماً وفقيهاً شيعياً عربياً، يقيم في الموطن التقليدي للحوزة العلمية، وكان من شأن تكريس موقعه القيادي الديني والسياسي في العراق إعطاء دفع سياسي كبير للشيعة في البلدان العربية، ولا سيما في المنطقة الخليجية؛ بصيغة لا يكون معها مرفوضاً حتى من قبل حكوماتها؛ بالنظر لعلاقة الاحترام المتبادل التي تربطه بهذه الدول، وإدراكها أهمية الدور التوجيهي المتوازن الذي يمكن أن يمارسه السيد الحكيم في رعاية الواقع الشيعي”.
وبين ان اغتياله أحدث “فراغاً قيادياً في الوسط الإسلامي الشيعي، وإضعاف الشيعة ومشروعهم السياسي، وتسبب بإشعال فتنة طائفية بين سنة العراق وشيعته، ولقد كان من المؤكد أن معادلات الواقع العراقي التي تزداد تعقيداً، وتتفاعل في مرجع يعمل بكل طاقته وعلى مدار الساعة بعد العام 2003؛ ستعمل على تغييب رجلٍ بحجم محمد باقر الحكيم وعقليته وتاثيره، ولذلك لم يكن موضوع اغتيال محمد باقر الحكيم خارج دائرة التوقع؛ لان هناك الكثير ممن كان يهمهم جداً أن لا يبقى الحكيم حاضراً في مشروع إعادة تحديد هوية العراق ومستقبل شعبه، ولا سيما مستقبل الشيعة؛ لأن بقاءه يشكل عائقاً أمام تنفيذ مشروعاتهم”.
