“الذهاب إلى سوق البالات لم يعد مجديا، الأمر بات يعتمد على الحظ، كلما تأخرت، كلما تضاءلت فرصك بالحصول على قطع جيدة”، يقول أحد المتبضعين.
ويضيف، وسام، وهو شاب من الناصرية، يهتم باقتناء الأحذية الرياضية والحقائب الأصلية، في حديث لمنصة “إيشان”، إن “أصحاب المصلحة يحضرون مبكرا، وفور فتح البضائع الجديدة، ينقضون عليها، يشترونها بأثمان زهيدة، ثم يعيدون تنظيفها وعرضها في المحلات بأضعاف أسعارها، وبحسب نوع البراند ودرجة نظافته، فالأحذية يشترونها أحيانا بـ5 آلاف دينار، ثم يبيعونها بـ50 ألف دينار، وأحيانا أكثر بكثير”.
مَن يُطَلق عليهم بـ”أصحاب المصلحة”، يفهمون بالبراندات ويميّزون بينها، ويعرفون أسعارها، وفقا لوسام، الذي يشير إلى أن عملهم لم يعد مقتصرا على الملابس والأحذية، بل تعداه إلى الأجهزة الكهربائية والانتيكات والعطور وأدوات الرسم وغيرها.
ما إحسان، فيقول إنه يشتري الأجهزة الكهربائية وأدوات النجارة والعدد اليدوية من محلات تبيع الأشياء المأخوذة من البالات: “أسعارهن غالية، لكنهن أصليات، وهذا ضمانٍ كافٍ”، مبينا أنه حاول مرارا الحصول على أشياء جيدة من البالة مباشرة وبأسعار أرخص، لكنه يخفق دائما، لأن الأمر يتطلب جهدا ووقتا كبيرين.
في البصرة، تبتاع آيات الأحذية المستعملة، “أون لاين”، وتقول إن هذه الطريقة مناسبة لها: “لا أعرف مكان أسواق البالة في البصرة أصلا، هذه الحسابات، تقوم بالحصول عليها وتنظيفها، وتبيعها بأسعار معقولة، نطلبها وتصل إلى باب منزلنا، بشرط التأكد من نظافتها وقياسها، وهذا أمر يناسبنا أكثر من عناء البحث ومزاحمة الآخرين، للحصول على قدة قد لا تكون أصلية بالضرورة”.
وتضيف لمنصة “إيشان”: “مهما بلغت أسعار هذه القطع فهي لا توازي نصف سعرها الأصلي، هذه الأحذية أصيلة، وهي فرصتنا الوحيدة للتباهي ببراندات مريحة ومتينة وتلفت الأنظار”.
في بغداد، يشتري عباس الملابس المستعملة من محل في منطقة الحرية: “الملابس مكوية، ونظيفة، أستطيع تجربتها، والتحقق من نظافتها ومدى جودتها، وهذا الأمر لا يتحقق لي في زحمة البالات، سواء في بالة باب الشرقي أو بالة الكاظمية، ففي ظل تزاحم الناس وحر الجو، ووساخة الملابس، لا يمكن التأكد من كونها مناسبة أم لا، وفي هذا المحل، ففرق الأسعار بسيط مقارنة بالمكاسب”.
وهناك من ذهب لأبعد من ذلك في طريقة بيع المواد المستعملة والماركات العالمية، فقد لجأ عمار، إلى تطبيق واتساب في مهنته ببيع الأغراض المستعملة بدل إنشاء تطبيق ألكتروني، وأعد مجموعة أسماها “أمازون عمار الجشعمي”، وفيها أكثر من 300 شخص، يتنافسون في “مزاد علني” لبيع السلع والبضائع بأسعار زهيدة يتنافسون عليها بمبدأ “الشراء للأسرع”.
ومزاد عمار يعتمد فيه على عرض صور وفيديوهات للبراندات التي يشتريها بالجملة ويبيعها منفردة داخل الكروب، حيث على زبائنه داخل المجموعة المنافسة من خلال كتابة كلمة “تم” على السلعة المعروضة، والغلبة هنا لمن يكتب كلمة السر الصغيرة تلك أسرع من البقية.
ويشمل سوق عمار، أو كما يسميه هو “أمازون”، العديد من البضائع والبراندات، من أجهزة كهربائية وألكترونية وملابس منها الغريبة والمميزة، ولا يقتصر سوقه على البيع فقط، ففي أحيان كثيرة تذهب رحلة التسوق تلك إلى المزاح بين الزبائن أثناء المنافسة وأحياناً إلى تكوين صداقات بينهم.
وممن يعرفون سوق البراندات المستعملة، خاصة الملابس والأحذية، وله باع طويل في تلك التجارة، تراهم يتعاملون معها بحرفية تشبه حرفية تجار الأنتيكات، مثلما يتعامل محمد، والمعروف في سوق الكرادة بـ”محمد المصارع”، إلى محلاته التي تنقسم بين واحد مكتظ بالأحذية، وآخر بأنواع الملابس الرجالية، وهما محلان متقابلان داخل قيصرية في منطقة الكرادة، حيث تجده جالس بين محلاته وينظر لحذاء الزبون القادم له وملابسه قبل النظر إلى وجهه.
محمد، يضع سعر الحذاء على نوع الماركة وقدم صناعتها ونظافتها، وأغلب الزبائن لا يفهمون ما يفكر بهِ، حسب تعبيره، لذلك هو يحتفظ بمجموعة زبائن دائمين يعرفون قيمة “الماركة” ويمرون عليه بشكل دوري لمحلاته حيث يخرج لهم ما خبأه من نفائس الماركات التي يتنافسون على شرائها بأسعار تضاهي سعر الجديد في السوق وتتجاوزه في أحيان كثيرة.
