اخر الاخبار

لماذا اغتالت إسرائيل رجل الأعمال براء قاطرجي؟

يُعد محمد براء قاطرجي، الذي اغتالته إسرائيل بطائرة مسيرة...

العراق يتقدم إلى المركز الـ 30 عالمياً والرابع عربياً في احتياطي الذهب

  تقدم العراق إلى المرتبة الـ 30، في قائمة الدول...

ذات صلة

38 عاما من الإيدز في العراق: قصة بدأت من شركة فرنسية وأكملتها مراكز تجميل

شارك على مواقع التواصل

منذ تسجيل أول حالة إصابة مؤكدة بفيروس “الإيدز” في العراق عام 1986 حتى اليوم، عبر أمصال ملوثة من شركة فرنسية، تظافرت عوامل أخرى خلال السنوات السابقة، لرفع معدل الإصابات وصولا إلى 2638 حالة مؤكدة.

لكن هذه الأرقام المسجلة، محل خلاف بين مسؤولين مختصين في مجال الصحة، فيما إذا كانت تنذر بارتفاع خطير في البلاد، أو أن هذا الحديث “مجرد مبالغة”، كما يصفه آخرون.

أمصال فرنسية

تبدأ القصة عام 1985 بصفقة دواء تعاقدت عليها وزارة الصحة العراقية، مع شركة “ماريو” الفرنسية لتوريد دوائين يساعدان على تخثر الدم ويستعملان لعلاج مرضى نزف الدم الوراثي، وفي العام التالي عولج 238 مريضا بالمصل الفرنسي، وسرعان ما تدهورت حالتهم الصحية ليتبين لاحقا تلوث الأمصال بفيروس نقص المناعة “الإيدز”، الذي كان حديث العهد وقتها.

لكن سلطات صدام حسين، التي كانت تخوض حربا ضارية مع جارتها إيران في ذلك العام، وتعتمد على الدعم العسكري الفرنسي عبر صفقات التسليح الكبيرة التي فاقت الصفقات السوفييتية، قررت تسليم إدارة الملف إلى جهات أمنية، وتكتمت على هذه القضية، وأعلنت عبر وسائل الإعلام خلو البلاد من مرض الإيدز.

وبينما حصل ضحايا الشركة الذين أصابتهم العدوى من الشرطة الفرنسية، في تونس وليبيا والمغرب والأردن والبرتغال واليونان والأرجنتين، على تعويضات مالية بمئات الآلاف من الدولارات. بقي العراق متكتما حتى سقوط النظام السابق.

تسبب هذا الملف بفضيحة هزت أرجاء فرنسا وأطاحت برؤوس سياسية، من بينهم رئيس البرلمان الفرنسي وقتها لوران فابيوس، ووزيران سابقان أدينوا سنة 1999 أمام محكمة العدل الجمهورية في باريس.

وأعلنت الشركة الفرنسية بعد دفع التعويضات للبلدان المتضررة إفلاسها، واشترتها أخرى تدعى سانوفي باستور. لكن العراق الذي لاحق القضية بعد 2003، لم يتوصل إلى نتائج ملموسة بانزاع تعويضات للضحايا، بسبب اختفاء الأدلة وإعلان الشركة إفلاسها.

من تبقى من كارثة الشركة الفرنسية 9 فقط، من بين 224 مصابا بالأمصال الملوثة في العراق، بحسب ماجد شنكالي رئيس لجنة الصحة في مجلس النواب، الذي قال في تصريح لمنصة “إيشان” إنه “تم تشريع قانون لهم بعد نشره بالجريدة الرسمية، بأن يمنحون 100 مليون دينار، وقطعة أرض سكنية في محافظاتهم، إضافة إلى قرض ميسر من البنوك، والباقون على قيد الحياة يمنحون هم وعوائلهم مليون دينار، بالإضافة إلى احتفاظهم بأي شيء تستحصله الدولة من الشرطة الفرنسية”.

كيف تعاملت سلطات صدام مع المرضى؟

“لا تدخل لانك ستتعرض لأمراض معدية”، لافتة موضوعة على جناح في طرف مبنى مستشفى ابن زهر، كان مخصصا لمرضى الإيدز، وكانت السلطات تعلن انه مبنى تابع للتلفزيون العراقي.

“كان المرضى مع عائلاتهم يعاملون كسجناء في أماكن خاضعة لحراسة مشددة لأن الحكومة كانت قررت القول ألا ايدز في العراق”، بحسب كريم الندا مدير المستشفى الوحيد في العراق المتخصص في العناية بمرضى الإيدز، حتى 2003.

أحد أطباء هذا الجناح، علي حسين، تحدث للصحافة بعد إسقاط النظام السابق، قائلا: “لن انسى ابدا ما كان يعانيه الأطفال المصابون بالايدز”. مضيفا أن “بعض الجرحى كانوا ينزفون بشدة ولم نكن قادرين على تقديم العلاج المناسب لهم وبعضهم توفي وسط أوجاع رهيبة”. وشرح أن المرضى “كانوا ينقلون بعد وفاتهم في توابيت من حديد ومن خشب الى مقبرتين سريتين في المدينة من دون السماح لعائلاتهم بالقاء النظرة الاخيرة عليهم”.
الناجون من تلك الكارثة، تحدثوا عن عفو منحته لهم سلطات النظام السابق، للخروج من المحجر، بشرط التوقيع على وثيقة يتعهدون فيها بعدم ارسال اولادهم إلى المدارس وعدم الاتصال ببقية السكان، وأن أي خرق لهذه الشروط كان يعني الاعدام، كما أن زواجهم ممنوع إلا إذا كان الطرفين من مصابي الإيدز.

هاجس صدام حسين!
وفي عام 2008، نشرت صحيفة الحياة اللندنية، مقتطفات قالت إنها من مذكرات رئيس النظام السابق صدام حسين كان قد كتبها بخط يده خلال فترة اعتقاله لدى الجيش الأمريكي.
وتحت عنوان “هاجس الأمراض الجنسية،” قال صدام حسين: “ورغم إن بعض الجنود وآخرين حاول أن يشاركني في نشر ملابسه على ذات الحبل ولكنني نبهتهم وقلت لهم بهدوء ولكن بحزم لن أقبل أن ينشر أحد ملابسه على هذا الحبل، وشرحت لهم لماذا. قلت إنهم شباب وحياة الشباب غير حياة الناس مثل سني، وقد يصابون بأمراض شباب.. لقد كان أهم ما في هاجسي أن لا يصيبني مرض جنسي… ومرض ضعف المناعة الإيدز“.

تواصل جنسي ومراكز تجميل!

خلال الأسابيع الماضية تحدثت وسائل إعلام نقلا عن نواب ومسؤولين عن ارتفاع نسبة الإصابات بمرض الإيدز في العراق، وعزا بعضهم هذا الارتفاع إلى العلاقات غير الشرعية، والأدوات المستخدمة في تعاطي المخدرات، ومراكز التجميل.
عضو لجنة الصحة في مجلس النواب، ثناء الازيرجاوي، قالت إن العراق سجل في آخر إحصائية صدرت عن وزارة الصحة، أكثر من 2000 حالة إصابة بمرض الإيدز، مشيرة إلى أنَّ جانب الرصافة في بغداد هو الأعلى عدداً، مبينة أن الإحصائية الجديدة المسجلة لمرضى الإيدز سُجّلت بسبب مراكز التجميل، لا سيما أنَّ عدد مراكز التجميل المرخصة هو 79 مركزاً في عموم البلاد.

فيما يقول المستشار الأقدم، الدكتور شاكر جواد، في حديث لمنصة “إيشان”، إن الإحصائيات العالمية لموقع UNAIDS تشير إلى وجود ما بين 3000 – 6400 حالة إيدز تراكمية في العراق منذ اكتشاف أول حالة عام 1986″.

وأضاف: “رغم أن نسبة الإصابة بالمرض في العراق لا تزال منخفضة و تعادل 0.01% لكل ألف من السكان إلا أن هناك تزايدا في الأعداد المسجلة بعد رفع الحصار عن البلد وتزايد أعداد المسافرين والوافدين إليه”.

تشمل الأسباب الرئيسية لانتشار الفيروس في العراق، بحسب الدكتور شاكر “تعاطي المخدرات عن طريق الحقن، والاتصالات الجنسية غير المحمية وممارسة العلاقات الجنسية مثل الزواج المؤقت، بالإضافة إلى نقص الوعي والتعليم حول المرض وطرق الوقاية منه”.

وتابع: “أما بخصوص الإجراءات الحكومية، فقد اتخذت الحكومة العراقية بعض الخطوات لمكافحة انتشار الفيروس، بما في ذلك توفير العلاج المضاد للفيروسات الرجعية وتكثيف حملات التوعية والفحص”، مضيفا: “ما زالت هناك تحديات كبيرة تتعلق بالوصمة الاجتماعية ونقص الموارد الطبية، مما يؤثر سلبًا على الجهود المبذولة لمكافحة الوباء بشكل فعال”.

وأكمل قائلا إن “العلاج الوحيد المتوفر في العالم هو علاج مثبط لفعالية الفيروس ولا يقضي عليه ولكنه يمنع انتقال المرض عند استعماله بشكل مستمر ولا يوجد للمرض حتى اليوم”.

وبالعودة إلى رئيس لجنة الصحة النيابية، فإن شنكالي، يرى “الحديث عن ارتفاع نسبة الإصابات بالإيدز مبالغ فيه، فكل الحالات المسجلة أقل من المعدل العالمي بكثير، لكننا مجتمع محافظ، وما إن نسمع بإصابة نتوقعها كبيرة”.
وأوضح: “من 1986 لغاية 2024، كل الإصابات هي 2638 إصابة، توفي منهم 470 مريضاً، وباقي 2168 على قيد الحياة، والإصابات موزعة على عدة محافظات، وأكثرها عن طريق الاتصال الجنسي، وبعضها عن طريق نقل الدم، وبعضها يدرج ضمن الأسباب غير المعروفة، وغالبا ما تكون عن طريق الاتصال الجنسي”.