في مشهد يكرّر نفسه، استيقظ العراقيون مجددًا على فاجعة نارية جديدة، وهذه المرة، لم تكن في مؤسسة صحية كما اعتادوا منذ سنوات، بل في مركز تسوّق حديث يُفترض أنه مشيّد وفق أعلى معايير السلامة، في قلب مدينة الكوت، مركز محافظة واسط.
في مساء الأربعاء، اندلعت ألسنة لهب هائلة في هايبر ماركت الكورنيش، المبنى التجاري الذي لم يمضِ على افتتاحه سوى أيام. ومع سرعة انتشار النيران في الطوابق العليا، بدا أن الإجراءات الوقائية كانت عاجزة تمامًا عن احتواء الكارثة أو حتى الحد من خسائرها البشرية.
تفاصيل ما جرى في الكوت
بحسب شهود عيان وعناصر من فرق الدفاع المدني، فقد انطلقت الشرارة الأولى من الطابق الأرضي نتيجة تماس كهربائي، قبل أن تمتد النيران بسرعة إلى الطوابق الأربعة العلوية، والتي تضم مكاتب ومخازن ومرافق خدمية، بعضها كان يضم عمالًا ومراجعين لم يتمكنوا من النجاة.. لكن هذه الرواية، تبقى بحاجةٍ إلى كشف رسمي، لسبب الحريق.
الطوابق الرابع والخامس على وجه التحديد تحوّلا إلى “محارق مغلقة”، إذ حال الدخان الكثيف واللهب المتصاعد دون وصول فرق الإنقاذ إليها في الوقت المناسب.
عدد العالقين ظل متراوحاً، إذ حاصرتهم النيران داخل المبنى الجديد، ولقي الكثير منهم مصرعهم، حرقاً أو اختناقاً.
محافظ واسط، محمد جميل المياحي، أعلن أن أكثر من 50 شخصًا ما زالوا مفقودين حتى مساء اليوم التالي، مرجّحًا أن يكونوا قد لقوا مصرعهم حرقًا أو اختناقًا داخل المبنى المنكوب.
رغم وصول عشرات الفرق والآليات، فإن الحريق كشف عن ضعف التنسيق، وتكرار المشكلات البنيوية في منظومة الإطفاء الذاتية، التي كان من المفترض أن تستخدم بمبنى شُيّد حديثاً.
ذاكرة النار
فاجعة الكوت ليست سوى حَلقة جديدة في سلسلة حرائق مروعة خلّفت مئات الضحايا في العراق خلال السنوات القليلة الماضية.
في نيسان 2021، التهمت النيران ردهات مستشفى ابن الخطيب في بغداد، مما أسفر عن استشهاد 82 شخصًا، معظمهم من مرضى العناية المركزة.
بعد ذلك بثلاثة أشهر، اندلع حريق أعنف في مستشفى الإمام الحسين بمدينة الناصرية، أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 92 شخصًا، بحسب ما أعلنته وزارة الصحة حينها.
كلا الحادثتين كُشفت فيهما أسباب متشابهة: خلل في منظومة السلامة، وغياب أنظمة الإنذار المبكر، وانفجارات ناتجة عن سوء تخزين أسطوانات الأوكسجين.
ورغم المطالبات الشعبية العارمة بتحميل المسؤولين تبعات ما حدث، فإن الواقع لم يتغيّر، بل تكرّر. وكانت النتيجة أن انتقلت النار من المستشفيات إلى الأسواق، من عزل المصابين إلى متاجر المستهلكين.
فمع تكرار هذه الكوارث، يبدو أن الدولة لم تعد تملك الحدّ الأدنى من القدرة على صيانة حياة الناس، أو فرض شروط السلامة، أو حتى توفير استجابة احترافية عند وقوع الحادث. أسلاك الكهرباء العشوائية، غياب أنظمة الإطفاء الأوتوماتيكية، وتصاميم هندسية تفتقر إلى ممرات الهروب، كلّها تتحول إلى شرك قاتل لحظة اشتعال أول شرارة.
في بلد شهد احتلالات وحروبًا وحصارات، باتت النار الحديثة التي تحرق العراقيين ليست من قصف أو معركة، بل من إهمال محلي، وفساد مؤسسي، واستخفاف بأرواح الناس.
يبقى سؤال الألم معلقًا فوق ركام المول المحترق في الكوت: هل سيظل العراقي يتفحّم دون منقذ، أم آن أوان الانتقال من الحداد إلى المحاسبة؟
