اخر الاخبار

“إيشان” تفتح خزانة الأسرار.. بالوثائق والأدلة: صعود “مزورة” شقيقة إرهابي إلى مجلس النواب

خاص – تقرير استقصائي تفتح وثائق أمنية ومدنية، اطّلعت عليها...

إيران تعلن الانتقال من العقيدة الدفاعية إلى الهجومية: لا نخاف من ضجيج العجل السامري

أعلنت إيران انتقال قواتها المسلحة من العقيدة الدفاعية إلى...

وفد الإطار التنسيقي يصل إلى أربيل لبحث ملف مرشح رئاسة الجمهورية

وصل رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، الى إقليم...

القضاء يبدأ إجراءات التحقيق مع 1387 عنصراً من داعش قادمين من سوريا

أعلنت محكمة تحقيق الكرخ الأولى، اليوم الاثنين، أنها باشرت...

ترامب غاضب من تصريح في حفل الغرامي: لم أذهب قط إلى جزيرة إبستين

صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لم يزر مطلقا...

ذات صلة

انتهى الصراع المسلّح.. حزب العمال يحل نفسه رسمياً والعراق يترقّب خروج الأتراك

شارك على مواقع التواصل

انتهت رسمياً، قصة الصراع المسلح بين تركيا، والحزب العمال الكردستاني، التي جعلت من مناطق شمال العراق مسرحاً للعمليات، طوال أربعة عقود تقريباً.. بينما يترقّب العراقيون، انسحاب القوات التركية التي دخلت إلى الشمال بذريعة ملاحقة حزب العمال.

اليوم الاثنين، أعلن حزب العمال الكردستاني “بي كيه كيه” (PKK) رسميا عن حلّ نفسه وإنهاء الصراع المسلح مع الدولة التركية.

يأتي هذا الإعلان ليضع نهاية لصراع مرير دام أكثر من 4 عقود، خلف وراءه مأساة إنسانية قُدّر عدد ضحاياها بأكثر من 40 ألف شخص، بالإضافة إلى دمار واسع وتكلفة باهظة على كافة الأصعدة.

إن قرار حزب مسلح بحل نفسه، خاصة بعد عقود من القتال الشرس، ليس حدثا عاديا، بل يعكس بالضرورة تحولات عميقة وجذرية في البيئة السياسية والعسكرية والفكرية التي يعمل ضمنها. ويمكن فهم الدوافع المحتملة وراء هذا القرار المفصلي من خلال تحليل عدة عوامل متداخلة، وفق دراسات المختصين.

العراق عانى خلال هذه العقود، من الاحتلال التركي للأراضي العراقية الذي لم يعد مجازاً، بل واقعاً عسكرياً مرصوداً بالأرقام: أكثر من 136 نقطة توغل تركية داخل إقليم كردستان، بعضها يمتد إلى 15 كيلومتراً داخل الحدود، وأربع قواعد عسكرية ضخمة تنتشر بين الجبال والوديان، في مشهد لا يمكن تفسيره بـ”ملاحقة إرهابيين” أو “عمليات تكتيكية محددة”، وفق ما كشفه رئيس كتلة “منتصرون” النيابية، فالح الخزعلي.

الخزعلي، وصف المشهد كما هو: “وجود عسكري تركي واسع، وعمليات يومية، في ظل صمت مريب من حكومة الإقليم وبعض الأطراف السياسية”.

وقال الخزعلي في حديثه لـ “إيشان”، إن “قرار البرلمان الصادر في 5 كانون الثاني 2020، بإخراج القوات الأجنبية من البلاد، يشمل القوات التركية، ولا يقتصر على الأمريكية”، مشيرًا إلى أن الحكومة العراقية مطالَبة اليوم بتطبيق هذا القرار.

الخزعلي خاطب الحكومة الاتحادية ووزارات الدفاع والخارجية ورئاسة الوزراء بشكل رسمي، لكنه أشار إلى أن الرد الوحيد هو المزيد من التوغل، والمزيد من الصمت، والمزيد من الخروقات.

ويرى المختصون، أن حزب العمال الكردستاني شهد تراجعا ملحوظا في الدعم الإقليمي والدولي خلال السنوات الأخيرة. ونجحت الدبلوماسية التركية في بناء تحالفات وعقد تفاهمات مع قوى دولية مؤثرة (مثل روسيا والولايات المتحدة) ودول الجوار، مما أدى إلى تضييق الخناق على الحزب وخلق بيئة معادية لتحركاته.

بالتوازي، أصبح المناخ الدولي، خصوصا في حقبة ما بعد “الحرب على الإرهاب”، أقل تسامحا بشكل عام مع الحركات المسلحة غير الحكومية، مما زاد من عزلة الحزب.

وعلى الرغم من عقود طويلة من الكفاح المسلح والتضحيات الجسيمة، لم يتمكن الحزب من تحقيق هدفه الأسمى المتمثل في إقامة دولة كردية مستقلة أو حتى فرض شكل من أشكال الحكم الذاتي المعترف به والمستدام داخل تركيا. ومع مرور الوقت، بدأت القناعة بجدوى الكفاح المسلح كوسيلة وحيدة لتحقيق الطموحات الكردية تتآكل، سواء داخل قيادة الحزب أو بين قواعده.. وهو ما حصل لاحقاً.

شهدت الأفكار السياسية لزعيم الحزب التاريخي، عبد الله أوجلان، تطورا ملحوظا على مر السنين، حيث انتقل هذا الزعيم من الطرح الانفصالي الصريح إلى تبني مفهوم “الكونفدرالية الديمقراطية”، وهو نموذج يركز على تحقيق حكم ذاتي ديمقراطي ضمن حدود الدول القائمة، بدلا من السعي للانفصال. ولا شك أن هذا التحول الأيديولوجي العميق قد تغلغل في صفوف قيادة الحزب وأثر على توجهاتها الإستراتيجية، وساهم في تراجع منطق الحرب والقتال لصالح رؤى سياسية بديلة، بحسب دراسة تحليلية.

تقول الدراسة التحليلية، إن “4 عقود من الصراع المستمر قد خلفت نزيفا بشريا ومعنويا هائلا لا يمكن تجاهله. فآلاف المقاتلين فقدوا حياتهم، وعانت المجتمعات الكردية في مناطق الصراع من ويلات القمع والتهميش والنزوح والدمار. فهذا الإرهاق المتراكم، والخسائر التي لا تعوض، ولّدت رغبة متزايدة لدى شرائح واسعة من المجتمع الكردي، وخصوصا الأجيال الجديدة، في البحث عن السلام وإنهاء دوامة العنف”.

وترى أن قرار حل الجناح العسكري يمثل خطوة إستراتيجية تهدف إلى الانتقال الكامل نحو العمل السياسي السلمي، حيث تسعى بعض الحركات المسلحة في مراحل معينة إلى اكتساب الشرعية السياسية والاندماج في العملية الديمقراطية كحزب سياسي معترف به. ويمتلك حزب العمال بالفعل حليفا سياسيا بارزا في الساحة التركية، ممثلا في حزب الشعوب الديمقراطي “إتش دي بي” (HDP) أو خلفائه، وقد تكون هذه الخطوة مقدمة لتركيز كل الجهود والطاقات على تعزيز هذا المسار السياسي بدلا من العمل العسكري”.

ولم تعد البيئة الكردية الداخلية كما كانت قبل عقود، فقد شهدت المجتمعات الكردية في تركيا، وحتى في سوريا والعراق، تحولات اجتماعية وفكرية، وارتفعت أصوات مؤثرة من داخلها تطالب بضرورة وقف النزاع المسلح والبحث عن آليات سلمية وديمقراطية لتحصيل الحقوق الثقافية والسياسية. ولعل هذا النوع من الضغط الداخلي من القواعد الشعبية يمكن أن يلعب دورا حاسما في دفع القيادة نحو اتخاذ قرارات جذرية كالتي نشهدها اليوم.

إن قرار حزب العمال الكردستاني بحل نفسه وإلقاء السلاح لا يتوقف عند حدود العلاقة مع الدولة التركية، بل يحمل تداعيات عميقة على خارطة الكيانات الكردية الأخرى، خاصة في سوريا والعراق. فالحزب، رغم كل ما مرّ به، ظل يمثل العمود الفقري لفكرة “كردستان الواحدة” العابرة للحدود، وكان مصدر إلهام تنظيمي وعقائدي، وحتى حاميا عسكريا لبعض الكيانات الموازية، وفق المختصين.

في سوريا، قد تجد “الإدارة الذاتية” الكردية في شمال شرق البلاد نفسها أكثر عزلة من أي وقت مضى. فوحدات حماية الشعب الكردية “واي بي جي” (YPG)، والتي تعتبر الامتداد السوري لحزب العمال، تستمد كثيرا من مشروعيتها الرمزية والعسكرية من العلاقة الفكرية والتنظيمية مع قنديل. ومع غياب الحزب الأم، قد تضطر تلك الوحدات إلى إعادة تعريف نفسها سياسيا، إما بالتقرب من النظام السوري، أو بمحاولة تقديم نفسها كشريك محلي في معركة بناء الدولة والاستقرار وليس كحركة انفصالية. وفي كلتا الحالتين، ستزداد الضغوط التركية والأميركية عليها لتغيير خطابها وتركيبتها.

أما في العراق، وتحديدا في إقليم كردستان، فإن انسحاب حزب العمال من المعادلة سيفضي إلى إعادة رسم التوازنات داخل البيت الكردي. فالحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، الذي لطالما كان على خصومة مع “بي كيه كيه”، سيجد فرصة لتعزيز هيمنته السياسية والأمنية، خاصة في المناطق الحدودية. لكن هذه الهيمنة قد لا تمر دون مقاومة داخلية، في ظل وجود قوى مدنية وقبلية تخشى ترك مصير القضية الكردية بيد جهة واحدة مرتبطة بعلاقات وثيقة مع أنقرة.

هكذا، لا يُعد حلّ حزب العمال الكردستاني مجرد نهاية لمرحلة الكفاح المسلح، بل هو شرخ في فكرة كردستان السياسية نفسها. فالمركز الرمزي سيتلاشى، وتبقى الفروع تبحث عن معنى جديد لوجودها، في عالم تتغير فيه التحالفات السياسية وأحلام البشر.

منذ تأسيس الحزب في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن أوجلان مجرد زعيم سياسي أو عسكري، بل أصبح بمثابة المؤسس الروحي للعقيدة الكردية الجديدة التي تبنّاها الحزب.

ومع الوقت تحوّل من ماركسي-لينيني إلى مُنظّر لفكرة “الكونفدرالية الديمقراطية”، وهو نموذج يتجاوز الدولة القومية نحو حكم ذاتي شعبي لا مركزي. وقد أصبحت كتاباته تُوزع بين المعسكرات، وتُدرّس في أدبيات الحزب، وتُقرأ كما تُقرأ النصوص التأسيسية للحركات الكبرى. لذا، فإن تأثير أوجلان لا يحمل طابعا تنظيميا فقط، بل يحمل شرعية رمزية عميقة، لا غنى عنها للحزب في لحظاته المفصلية، وفق ما تظهره الدراسات.

رغم أن أوجلان محتجز في عزلة صارمة منذ اختطافه في كينيا عام 1999، لم تنقطع صلته بالحزب بشكل كامل. فعلى مدى السنوات، سُمح لمحاميه وأقاربه بزيارات متفرقة، كما نُقلت عنه رسائل عبر وسطاء محليين ودوليين. وفي الفترة التي عُرفت بـ”عملية السلام” بين عامي 2013 و2015، كان أوجلان يصدر بيانات تُتلى حرفيا أمام المؤتمر الكردي في جبال قنديل، في دلالة على استمرار نفوذه الرمزي داخل التنظيم، حتى من وراء القضبان.

إن الحزب اليوم لا يُدار من قبل أوجلان شخصيا، بل من قبل قيادة جماعية مقيمة في جبال قنديل، تضم شخصيات بارزة مثل مراد قريلان، وجميل بايق. وهذه القيادة هي من تتخذ القرارات الفعلية، لكنها تدرك أن شرعية أي تحوّل جذري لا تكتمل إلا إذا نُسب إلى “القائد المؤسس”. لذلك، عندما تقرر القيادة إنهاء الكفاح المسلح، فإنها لا تصوّره كانتكاسة أو هزيمة، بل كتحقّق لوصية القائد التاريخية.

إن تبنّي نداء أوجلان أداة فعالة لاحتواء الانقسام الداخلي في صفوف الحزب، وضمان انتقال سلمي من البندقية إلى السياسة. وداخليا، يمنح ذلك شعورا بأن القرار استمرار لطريق القائد لا خيانة له. أما خارجيا، فإنه يرسل رسالة للمجتمع الدولي وتركيا مفادها أن الحزب لم يُهزم عسكريا، بل قرر طي صفحة الحرب طوعا، وهذا يُبقي على كرامته المعنوية ويزيد من فرص إدماجه في أي عملية سياسية مستقبلية.

ورغم الغلاف العاطفي المحيط بنداء أوجلان، فإن قرار الحزب بحل نفسه جاء من منطلق إستراتيجي. فالحزب يواجه ضغطا عسكريا غير مسبوق من تركيا، وتراجعا في الدعم الإقليمي والدولي، وتغيرات في المزاج الكردي الشعبي، فضلا عن تشابك مصالح القوى الكبرى (واشنطن، أنقرة، موسكو) في خريطة جديدة لا تتسع لحركات مسلحة خارج السيطرة. ومن هنا، لا يُستبعد أن تكون هناك تفاهمات غير معلنة، وربما حتى “صفقة سرية” تتعلق بمصير أوجلان نفسه.

بكلمة واحدة، لا يزال أوجلان يؤثر في الحزب، لكن تأثيره هو تأثير المرجعية العليا لا القائد التنفيذي. غالبا فإن القيادة الحالية اتخذت القرار، لكنها احتاجت إلى صوت أوجلان لتغلفه بالشرعية الرمزية. هكذا تُصاغ التحولات الكبرى في تاريخ الحركات المسلحة، على يد الجيل الجديد، لكن بأصوات الآباء المؤسسين.

نهاية البندقية… وبداية سؤال الوجود

إن إعلان حزب العمال الكردستاني عن حلّ نفسه لا يشكل فقط نقطة فاصلة في تاريخ الصراع الكردي-التركي، بل يطوي صفحة طويلة من النضال المسلح الذي ظل لعقود يؤسس الهوية الكردية في تخوم الجبال وبنادق المقاتلين. لقد اخترق القرار بنيان الرمز ذاته، حين نُسب إلى سجين يقبع في عزلة منذ ربع قرن، ليمنح الخطوة مظهرا من الاستمرار لا الانهيار.

إن قرار الحزب بالحل وإنهاء الكفاح المسلح هو نتيجة لتفاعل معقد بين ضغوط جيوسياسية، وإخفاقات عسكرية، وتحولات فكرية، وتكاليف إنسانية باهظة، وطموحات سياسية جديدة، وضغوط مجتمعية داخلية. ورغم أن الطريق نحو سلام دائم ومصالحة حقيقية قد يكون طويلا وشائكا، فإن هذه الخطوة تمثل منعطفا تاريخيا قد يفتح الباب أمام إمكانية بناء مستقبل مختلف للمنطقة، وقد تتغلب أخيرا لغة الحوار والسياسة على لغة السلاح والعنف.