تتصدر لعبة روبلوكس (Roblox)، واحدة من أكثر المنصات التفاعلية شهرةً بين الأطفال والمراهقين، واجهة النقاشات الدولية في الآونة الأخيرة. ما كان يُسوّق له على أنه عالم افتراضي للإبداع والمرح، تحوّل إلى ساحة اتهامات خطيرة تتعلق بالاستغلال الجنسي للأطفال، وغياب الرقابة، وتسهيل الوصول لمحتويات غير ملائمة، وهو ما دفع عدداً من الدول إلى حظرها بشكل كامل، فيما تواجه الشركة المطوّرة لها عشرات الدعاوى القضائية في الولايات المتحدة وأوروبا.
هذه القضية لم تعد بعيدة عن العراق، إذ حذّر رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي يوم الأحد من مخاطر اللعبة، داعياً إلى تحرك عاجل لحظرها وحماية القاصرين من تهديداتها المتزايدة.
لعبة جاذبة للأطفال.. لكنّها “ميدان مفترسين”
تضم روبلوكس أكثر من 85 مليون مستخدم نشط يومياً، بحسب البيانات الرسمية، يشكل الأطفال دون سن 13 عاماً قرابة 40% منهم. هذه النسبة تجعلها واحدة من أكثر البيئات الرقمية كثافةً للأطفال، لكنها في الوقت ذاته أكثرها عرضةً للاستغلال.
تقارير بحثية في الولايات المتحدة وأوروبا كشفت منذ عام 2018 عن عشرات القضايا الجنائية المرتبطة بالمنصة، بينها حالات استدراج وابتزاز إلكتروني، بل وجرائم اغتصاب واستغلال جنسي قادت إلى اعتقالات فعلية.
وبحسب دراسات دولية، فإن 65% من الأطفال بين 8 و12 عاماً أقرّوا بأنهم تعرضوا للتواصل مع غرباء أثناء اللعب عبر منصات مثل روبلوكس ويوتيوب. وهنا تكمن خطورة الأمر: الأطفال يدخلون للّعب، لكنهم يجدون أنفسهم في فضاء مفتوح أمام بالغين مجهولين قد يتقمصون أدواراً مضللة.
في بعض الحالات التي تناولتها المحاكم الأميركية، قام بالغون بانتحال شخصيات مراهقين، مستخدمين أدوات المحادثة والدردشة الصوتية داخل اللعبة، لاستدراج الأطفال ومطالبتهم بصور أو مقاطع، وصولاً إلى تهديدهم وابتزازهم. وقد أدت هذه الوقائع إلى أكثر من 24 حالة اعتقال منذ 2018 مرتبطة مباشرة باستغلال القاصرين عبر روبلوكس.
تحذير محلي
في العراق، دعا فاضل الغراوي إلى التحرك العاجل لمواجهة هذه المخاطر، مذكّراً بأن المنصة “تفتقر إلى الرقابة الكافية، وتشكل مجالاً خصباً للمحتويات غير الملائمة مثل العنف أو المواد الجنسية، إضافة إلى إمكانية تواصل الأطفال مع غرباء مجهولين، وهو ما يزيد احتمالات التحرش والاستغلال الجنسي عبر الفضاء الافتراضي”.
الغراوي أوضح أن خطورة اللعبة لا تقتصر على الجوانب الأمنية والسلوكية فحسب، بل تشمل أضراراً مالية ونفسية، إذ تتيح عمليات شراء عبر العملة الافتراضية “Robux” التي قد تدفع الأطفال إلى إنفاق مفرط يشبه المقامرة. كما أن الانغماس فيها لساعات طويلة يؤثر على التحصيل الدراسي والعلاقات الاجتماعية والصحة النفسية.
وأشار إلى أن قرارات الحظر التي اتخذتها بعض الدول العربية جاءت بعد رصد مباشر لهذه المخاطر، مطالباً الحكومة العراقية والجهات المختصة بـ”إغلاق المنصة وحظر اللعبة حمايةً للأطفال”، وبوضع إطار وطني لحمايتهم في البيئة الإلكترونية، إلى جانب إطلاق حملات توعية للأهالي والمعلمين، وتشديد التشريعات الوطنية المتعلقة بالإشراف الرقمي.
دول سبقت العراق بالحظر
ليست دعوة الغراوي معزولة، إذ أن عدة دول سبقت العراق واتخذت إجراءات صارمة. فقد حظرت الصين المنصة نهائياً بدعوى تهديدها للقيم الاجتماعية. وفي الخليج، اتخذت قطر والكويت وعُمان قرارات مماثلة بحجب روبلوكس. كما منعتها تركيا لأسباب تتعلق بسلامة الأطفال.
أما في الأردن وكوريا الشمالية، فقد صدر الحظر بشكل رسمي، في حين شهدت الإمارات تجربة حظر بين عامي 2018 و2021 قبل أن يُرفع لاحقاً. وفي المقابل، وجّهت إندونيسيا تحذيراً شديد اللهجة إلى الشركة بضرورة ضبط المحتوى وتطوير أدوات حماية فعالة، وإلا فإنها ستلجأ إلى الحجب.
هذا التوجه يعكس قناعة متنامية بأن مخاطر اللعبة ليست مجرد شائعات، بل نتائج موثقة في قضايا وتحقيقات، وأن الحكومات تجد نفسها مضطرة للتدخل لحماية شريحة واسعة من المجتمع.
اتهامات بـ”تسهيل الاستغلال”
في الولايات المتحدة، واجهت روبلوكس خلال العام الجاري سلسلة من الدعاوى القضائية التي رفعتها عائلات أطفال ومدعون عامون.
في ولاية لويزيانا، رفع النائب العام دعوى قضائية في أغسطس 2025 ضد الشركة، متهماً إياها بأنها “البيئة المثالية للمتحرشين” وفاشلة في حماية الأطفال من محتوى صريح وتجارب افتراضية خطيرة مثل “Escape to Epstein Island”.
وتتولى مكاتب محاماة مثل Dolman Law Group مئات القضايا الفردية من ولايات مختلفة بينها تكساس وميشيغن وجورجيا وكاليفورنيا، تتعلق باستدراج الأطفال، أو ابتزازهم، أو حتى دفعهم نحو إيذاء أنفسهم.
ووثقت تقارير حقوقية وإعلامية أكثر من 300 حالة قيد التقاضي حالياً، بينها قضايا انتحار لأطفال تعرضوا لضغوط وابتزاز عبر المنصة.
صحيفة واشنطن بوست وصفت المشهد القانوني بأنه “عاصفة قضائية” تواجه الشركة، بينما رأت بيزنس إنسايدر أن روبلوكس باتت “ساحة صيد للمتحرشين”.
من جهتها، ترفض شركة روبلوكس هذه الاتهامات، وتؤكد أنها تستثمر بكثافة في تطوير أدوات السلامة. وتشير إلى منظومة رقابة تستخدم الذكاء الاصطناعي للكشف عن السلوكيات المشبوهة، إلى جانب فرض التحقق من العمر عبر الصور الذاتية، وتقييد الدردشة للأطفال دون 13 عاماً، وحظر المحتوى ذي الطابع الجنسي أو العنيف.
الشركة أصدرت بيانات رسمية قالت فيها: “أي ادعاء بأننا نسهّل أو نسمح باستغلال الأطفال غير صحيح. نحن نعمل باستمرار على ملاحقة الجهات السيئة التي تحاول إساءة استخدام منصتنا، ونبلّغ عن أي نشاط غير قانوني إلى السلطات”.
لكن خبراء سلامة الإنترنت يرون أن المشكلة تكمن في حجم المنصة الهائل وصعوبة ضبط كل التفاعلات داخلها، وأن الأدوات الحالية لا تكفي لإيقاف ما يسمونه “الصدع البنيوي” في بيئة اللعبة.
